أحمد بن أعثم الكوفي
322
الفتوح
شديد ، وبلغ ذلك من كان بالكوفة من أصحابه الذين فارقوه ، فرجعوا إليه في جمعهم حتى نزلوا في الشعب وقالوا : والله لا نفارقك أبدا أو لنموتن بين يديك ! قال : وأمسك ابن الزبير عن ابن الحنفية وكف عنه إلى أن حجت الناس . فلما كان يوم النفر ( 1 ) أرسل بأخيه عروة بن الزبير وعبد الله بن مطيع العدوي في رجال من قريش إليه ، فأقبل القوم حتى دخلوا الشعب إلى ابن الحنفية فقالوا : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تتنحى عن هذا الشعب الذي أنت نازل فيه ، فإنه قد عزم إن لم تفعل ولم تنتقل إلى موضع غيره أن يسير إليك حتى يناجزك ، فإن أردت الشخوص فهذا يوم الجمعة قم فانفر مع الناس وامض إلى حيث شئت من البلاد ! قال : فسكت ابن الحنفية وقام رجل من أصحابه يقال له معاذ بن هانئ فقال : أيها المهدي ! إن هذا البلد قد جعل الله عزو جل ، الناس فيه سواء العاكف فيه والباد ، وليس أحد أحق به من أحد ، وهذا الرجل قد ألحد في الحرم وسفك فيه الدم ، وقد بعث إليك مرة بعد أخرى يأمرك بالتنحي عنه ، فإنه هو أبى إلا إشخاصك تركا لأمر الله وجرأة عليه فقد بدأك بالظلم وبما لم تكن تستحله ، وقد اضطرك وإيانا إلى ما لا صبر لك عليه فخل بيننا وبينه ، فوالله ! إني لأرجو أن آتيك به سلما أو يقتل هؤلاء أصحابه الفساق الجبارون وأعداء الصالحين ، فإنما هم أعراب أهل اليمامة وجهال أهل مكة ، ولقد قاتلهم قوم ينوون رضوان الله وثواب الآخرة ، ولما ثبتوا للطعان والضراب ولا تذعروا بدعارة أولاد الحجل . قال : فغضب عبد الله بن مطيع من ذلك ، ثم أقبل على ابن الحنفية فقال : يا أبا القاسم ! لا يغرنك عن نفسك حائك أهل اليمن هذا وأشباهه ، فإني أعلم أنهم إن أوردوك لم يصدروك ، أفليس هم قتلة أبيك وابن عمك وأخيك ! فقال ابن الحنفية : لا ، بل هم أنصاري وشيعتي الذين عليهم أعتمد بعد الله تعالى . فقال عبد الله بن مطيع : اقبل مني ، إما أن تبايع هذا الرجل وإلا فأنج بنفسك من قبل التورط ومن قبل أن تتمنى النجاة ولات حين نجاة . قال : فقال معاذ بن هانئ لعبد الله بن مطيع : يا بن نساجة العبا ! نحن نسلم لك ولصاحبك هذا ، ولما نقتل بين يديه أو نبيدكم عن آخركم ؟ قال : وارتفعت أصوات القوم ، فسكتهم ابن الحنفية عن آخرهم ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أخبروني عنكم ماذا عندكم من الرأي ، فإني أكره سفك الدماء في حرم الله وحرم رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم . قال أصحابه : الرأي رأيك ، فانظر ما هو الصواب فألقه إلينا ، فإننا لن نعدوه ، إن أمرتنا بقتال القوم
--> ( 1 ) يوم النفر : اليوم الذي ينفر فيه الناس من منى إلى مكة وهو الثالث من يوم النحر .